الزركشي

145

البحر المحيط في أصول الفقه

الحكم المتقدم كما يفيد في اللغة الإزالة إلا أن الشرع قصره على إزالة مثل الحكم الثابت بطريق شرعي على وجه مخصوص يجري مجرى قولنا دابة في أنه غير منقول لكنه مخصوص ببعض ما يدب . ا ه‍ . قال ابن الصباغ ذهب بعض المتكلمين إلى أنه منقول من اللغة إلى الشرع كما نقل اسم الصلاة والأظهر أنه مخصوص في الشرع برفع مثل الحكم وإن كان الرفع عاما كما خصصت الدابة بالاسم وإن كان غيرها يدب عليها . وأما في الاصطلاح فقد اختلف في حده والمختار أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب والمراد بالحكم ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن فلا يرد أن القديم لا يرفع وحاصله يرجع إلى التعلق وهو حادث وفيه نظر إذ نفسه ليس بحكم والمراد ارتفاع دوام الحكم بمعنى تكرره لا ارتفاع الحكم الذي هو الخطاب لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه وتقييده بالشرعي يخرج العقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به فإنه لو حرم فردا من تلك الأفراد لم يسم نسخا وقلنا بخطاب ليعم وجوه الأدلة وليخرج الإجماع والقياس إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما وليخرج ارتفاعه بالموت ونحوه فإنه لا يسمى نسخا وكمن سقط رجلاه فإنه لا يقال نسخ عنه غسل الرجلين وما قاله الإمام فخر الدين في المحصول من أنه نسخ ضعيف . ومنهم من زاد قيد التراخي ليخرج المتصل بالحكم كالاستثناء والشرط والصفة لأنه بيان لغاية الحكم ولا يسمى نسخا لاستحالة أن يكون آخر الكلام قد منع أوله وقولنا رفع حكم يغني عن هذا القيد إذ ليس من ذلك رفع الحكم لأن الرفع إنما يكون بعد الثبوت وليس شيء منها ثبوت الحكم لأنها تخصيصات وهو يبين أنه غير مراد وقولنا بخطاب أي بحيث لو لم يرد الثاني لكان حكم الأول باقيا . وما ذكرناه من كون النسخ رفعا هو مختار الصيرفي والقاضي أبي بكر والشيخ أبي إسحاق والغزالي والآمدي وابن الحاجب وابن الإبياري وهو المختار وقد أنكره أكثر الفقهاء بناء على أن الحكم راجع إلى كلام الله وهو قديم والقديم لا يرفع ولا يزال وأجيب بأن المرفوع تعلق الحكم النسبي لا ذاته ولا تعلقه الذاتي . وقال بعض شارحي البرهان الحق ما ذكره القاضي من أنه الرفع ولا يلزمه ما ألزمه الإمام من التناقض في التعلق فإن القاضي بنى على أصلين أحدهما